نشأ أبو العلاء المعرِّي في أسرة مرموقة تنتمي إلى قبيلة تنوخ العربية، التي يصل نسبها إلى يَعرُب بن قحطان جدّ العرب العاربة. ويصف المؤرخون تلك القبيلة بأنها من أكثر قبائل العرب مناقب وحسَبًا، وقد كان لهم دور كبير في حروب المسلمين، وكان أبناؤها من أكثر جند الفتوحات الإسلامية عددًا، وأشدهم بلاءً في قتال الفُرس.

وُلد أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان في بلدة معرَّة النعْمان، من أعمال حلب بشمال سوريا، في 26 ديسمبر 973 ميلادية، ونشأ في بيت علم وفضل ورياسة متصل المجد، فجدُّه سليمان بن أحمد كان قاضي المعرَّة، وولي قضاء حمص، ووالده عبد الله كان شاعرًا، وقد تولى قضاء المعرَّة وحمص خلَفًا لأبيه بعد موته، أمَّا أخوه الأكبر محمد بن عبد الله فقد كان شاعرًا مُجيدًا، وأخوه الأصغر عبد الواحد بن عبد الله كان شاعرًا أيضًا.

محنة في محنة

عندما بلغ أبو العلاء الثالثة من عمرِه أُصيب بالجدري، وقد أدَّى ذلك إلى فقْد بصره في إحدى عينيه، وما لبث أن فقد عينه الأخرى بعد ذلك. ولكن هذا البلاء على قسوته، وتلك المحنة على شدتها، لم تُوهِن عزيمته، ولم تفُتّ في عضده، ولم تمنعه إعاقته عن طلب العلم، وتحدي تلك الظروف الصعبة التي مرَّ بها، فصرف نفسه وهمته إلى طب العلم ودراسة فنون اللغة والأدب والقراءة والحديث. فقرأ القرآن على جماعة من الشيوخ، وسمع الحديث عن أبيه وجدِّه وأخيه الأكبر وجدَّتِه أُم سلمة بنت الحسن بن إسحاق، وعدد من الشيوخ، مثل: أبي زكريا يحيى بن مسعر المعرِّي، وأبي الفرج عبد الصمد الضرير الحمْصِي، وأبي عمرو عثمان الطرسوسي، وتلقَّى علوم اللغة والنحو على يد أبيه وعلى جماعة من اللغويين والنحاة بمعرَّة النعمان، مثل: أبي بكر بن مسعود النحوي، وبعض أصحاب ابن خالويه. لقد كان لذكائه ونبوُغه أكبر الأثر في تشجيع أبيه على إرساله إلى حلب، حيث يعيش أخواله، ليتلقى العلم على عدد من علمائها، وهناك التقى بالنحوي محمد بن عبد الله بن سعد، الذي كان راوية لشعر المتنبِّي، ومن خلاله تعرَّف على شعر المتنبِّي وتوثقت علاقته به. ولكن نَهَم أبي العلاء للعلم والمعرفة لم يقف به عند حلب، فانطلق إلى طرابلس الشام؛ ليروي ظمأه من العلم في خزائن الكتب الموقوفة بها، كما وصل إلى أنطاكية، وتردد على خزائن كُتبها ينْهل منها ويحفظ ما فيها. وقد حباه الله تعالى حافظة قوية؛ فكان آية في الذكاء المفرط وقوة الحافظة، حتى إنه كان يحفظ ما يُقرأ عليه مرّة واحدة، ويتلوه كأنه يحفظه من قبل، ويُروى أن بعض أهل حلب سمعوا به وبذكائه وحفظه، على صغر سنه، فأرادوا أن يمتحنوه؛ فأخذ كل واحد منهم ينشده بيتًا، وهو يرد عليه ببيت من حفظه على قافيته، حتى نفد كل ما يحفظونه من أشعار، فاقترح عليهم أن ينشدوه أبياتًا ويجيبهم بأبيات من نظْمه على قافيتها، فظل كل واحد منهم ينشده، وهو يجيب حتى قطعهم جميعا.

بين اليأس والرجاء

عاد أبو العلاء إلى معرة النعمان بعد أن قضى شطرًا من حياته في "الشام" يطلب العلم على أعلامها، ويرتاد مكتباتها. وما لبث أبوه أن تُوفي، فامتحن أبو العلاء باليُتم، وهو ما يزال غلامًا في الرابعة عشرة من عمره، فقال يرثي أباه:

  • أبِي حكمت فيه الليالي ولم تزَل رماحُ المنايا قادراتٍ على الطعْنِ
  • مضى طاهرَ الجثمانِ والنفسِ والكَرَى وسُهد المُنَى والجيب والذيل والرُّدْنِ

وبعد وفاة أبيه عاوده الحنين إلى الرحلة في طلب العلم، ودفعه طموحه إلى التفكير في الارتحال إلى بغداد، فاستأذن أمه في السفر، فأذنت له بعد أن شعرت بصدق عزمه على السفر، فشد رحاله إليها 1007 م.

نشَرها لكم: وائل زكريا

  • Currently 348/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
116 تصويتات / 1939 مشاهدة
نشرت فى 13 سبتمبر 2009 بواسطة blindplus

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

583,148