من السمات الأساسية التي يتمتع بها المكفوفون في كل زمان ومكان قوة البيان وفصاحة اللسان، فبرغم اختلاف الثقافات وتباين اللغات إلا أن هناك سمات عامة مميزة للمكفوفين أينما وجدوا، وعلى مر العصور والأزمان تبقى فصاحة ألسنتهم وقوة بيانهم ظاهرة تميزهم وخصلة تؤنسهم وسِمة تقدمهم على أقرانهم من غير المكفوفين. وبرغم تعدد أسباب هذه المهارة اللغوية والفصاحة اللسانية إلا أن النتيجة غالبا ما تكون واحدة، فقد يرى البعض التفوق اللغوي واللفتات اللفظية التي يتمتع بها المكفوفون نتاجا طبيعيا لموروثهم السمعي الذي لا غنَى لهم عنه بالمارة، وذلك لغياب الموروث المرئي عن إدراك أي كفيف، خاصة إن كان كفيفا منذ النشأة الأولى، فقد لا يدرك الكفيف شكل موج البحر بزبده المرئي ولكنه يرسم لنفسه صورة حقيقية إذا ما قورنت بالصورة الواقعية لموج البحر! وهذا إنما يرجع لما يستنبطه من صوت الموج المترامي إلى الشاطئ والمنحسر إلى عمق البحر وحركة الهواء المار بأذنه ورائحة الموج التي قد لا يشعر بها إلا المتأملون من البشر، ويظن هؤلاء أن الكفيف يحيا في ظلام ولا يحضه إلا آمال وآلام وأن في الإدراك بالسمع نجاته ومن غيره تكون وفاته. ويرى فريق آخر أن المهارة اللغوية تميز كل كفيف وأن ذلك يرجع إلى المهن التي عُرف بها المكفوفون في الأزمان الماضية فمنهم من كان عرافا أو كاهنا، ومنهم من كان مقربا للسلطان منجما ومنهم من كان عابدا زاهدا أو معلما مؤدبا أو محدّثا وفقيهاً وهي مهن تعتمد في أصلها على الكلام ومراقبة الألفاظ. وما من شك في أن هناك أسباب متنوعة ومتعددة تدفع كل فرد عامة والمكفوفين خاصة للإقدام على تنمية مهارة بشرية معينة والإحجام عن تنمية أخرى، فمن الناس من يرى في الكلام قناة للتواصل مع البشر، ومنهم من يرى في الصمت حكمة ورفعة، فإن كان هذا الأمر يميز البشر عموما فإنه بالأحرى ينطبق على المكفوفين. وهنا يتبادر لأذهان المتأملين سؤال مهم: لماذا لا تكون الصورة العامة التي يصورها المجتمع البشري للمكفوفين صورة مزورة ومزيفة؟ فإن كان المجتمع البشري يرى في الكفيف فصاحة لسان أو قوة بيان فإنما استقى هذه النتيجة من تراث المكفوفين المعروفين والمشاهير في كل ثقافة بشرية، وإن لم توجد دراسات حقيقية تثبت هذه الأقوال أو تربط ما بين كف البصر وحتمية قوة البيان، فقد يوجد كفيف هنا أو هناك لا يتسم بالفصاحة ولهذا لم يدرك أحد أن هناك مكفوفون بهذه الصفة! ليس لنا إذن إلا أن نسلم بأن قوة البيان وفصاحة اللسان صفة عامة قد يتصف بها أي قادر على الكلام ما دام يتمتع بمقومات هذه الملكة.

والآن، هل من إضافة تميز بلغاء المكفوفين عن أقرانهم غير المكفوفين؟ وبتعبير آخر، هل ثمة خصلة أو سمة تميز الكفيف قوي البيان عن المبصر قوي البيان؟ وهل القدرة على الإبصار تعوق أصحابها من تنمية مهارة استنباط الصور الحقيقية للأشياء؟ أسئلة كثيرة يحار لها العقل والمنطق في إخضاعها لقواعده وقوانينه الابتكارية!

نشَرها لكم: وائل زكريا

  • Currently 230/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
76 تصويتات / 1167 مشاهدة
نشرت فى 10 أغسطس 2009 بواسطة blindplus

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

677,070