ذهبت إلى بيت أحدهم ذات مرة لكي أضبط له بعض الإعدادات الخاصة بجهاز الحاسب الذي حدثني عن إخفاقه في إصلاحه أكثر من مرة قبل أن يعهد إلي إصلاحه. وما أن ذهبت إلى العمارة التي يسكن فيها وصعدت السلم حتى وجدت أمامي بابين لشقتين ووجدت مفتاحا لجرس يبدو أنه خاص بالأستاذ أحمد الذي دعاني لإصلاح حاسبه. فلما ضغطت على الجرس لكي ينتبه أصحاب المنزل أنني قد حضرت ويستعدوا لاستقبالي، لم يكن غريبا أن يفتح لي الباب شخص آخر وأن يكون مفتاح الجرس خاص بالشقة المجاورة للأستاذ أحمد، وإنما الغريب هو رد فعل أخونا المحترم الذي سألني عن بغيتي فسألته عن الأستاذ أحمد جاره فما كان منه إلا أن قال: "أنا مش عارف أحمد بيجيب الأشكال دي منين! أنا أبوه، بطلوا شغل الشحاتة ده، مش مكفيكم الشارع!!!" لحقته بالقول: "أنا مهندس الكمبيوتر الذي أتيت لأستصلح له جهازه" فقال وقد خرج أحمد من الشقة المجاورة على صوت أبوه: "هاّ أنت؟ طيب خذه يا أحمد، معلش يا ابني، إلي ما يعرفك يجهلك."

تأسف لي أحمد كثيرا ولم أهتم بالموقف إذ أن لديّ تحدٍّ أكبر في إصلاح الحاسب لأحمد وإلا سقطت من نظر أبوه وربما سقطت من نظر أحمد نفسه. آهٍ آه ولما عدت إلى المنزل ظللت أفكر مليا في موقف الأب الذي ظن بي سوء، ظن الأب أنني متسول! مع أنني ألبس ثيابا تليق بمكانتي الاجتماعية باعتباري خريج حديثا ومترجم وأعمل في مجال التدريب على الكمبيوتر بكلية الحاسبات آن ذاك. ظن الرجل أنني متسول لمجرد أنني فاقد للبصر!

شعور متناقض: هل أقبل عذر الرجل وأشتم وسائل الإعلام التي تصور فاقد البصر على أنه شحاذ؟ هل المتهم هو أحمد الذي لم ينشر الوعي في أسرته بأن فاقدي البصر منهم الثرِي علما أو مالا؟ هل أقدح في مروأة الرجل الذي ينهر السائلين حتى ولو لم أكن كذلك والحمد لله؟ شيئ عجيب أن يحدث مثل هذا الموقف بسبب جرس باب لم يوضع في مكانه المنطقي الذي يجب أن يكون فيه، والأعجب أن أقف أنا متهما في ذهول بل والأغرب من كل هذا التحدي في إنهاء مهمة إصلاح الحاسب التي لو لم تتم على خير لثبتت عند الأسرة كلها أنني مجرد من القدرة على هذا العمل بما فيهم داعيني الأستاذ أحمد.

قضيت الوقت أعمل في صمت وقلق وأحاول إنهاء المهمة على خير، وقد تمت والحمد لله، ولكنني قررت ألا أذهب لإصلاح أي أجهزة حاسب منزلية وأن يأتيني صاحب الكمبيوتر "لغاية بيتي" مصطحبا حاسبه الذي أراد إصلاحه، وليتكبد حمله بدلا من أن أتكبد مشقة عبئ نفسيا لا قبل لي بمثله، وليطرق بابا غير بابي، ويحرج هو بدل من أن أحرج أنا. "طيب يا أبو أحمد" المشكلة أن أبو أحمد يبدو أنه رجل مثقف أو على الأقل نال قسطا لا بأس به من العلم، فماذا ترك لغيره من الجهال؟

نشَرها لكم: وائل زكريا

++

  • Currently 167/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
56 تصويتات / 435 مشاهدة
نشرت فى 9 أغسطس 2009 بواسطة blindplus

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

665,698